ونحن الآن في استراحة رياضية مؤقتة للدوري الوطني، ارتأيت أن أعرج على أهم مسألة يقف عليها تقدم الشأن الكروي ببلادنا، ولأنني لا أريد ان أبحر في أغوار جل الفرق الوطنية، ولأنني رجاوي بالفطرة ويهمني جدا الوضع العام للفريق، فإنني سأختزل المشهد في نادي الرجاء الرياضي. تصوروا معي فريقا بالمعطيات التالية
1- مكتب مسير
• يريد أن يكون موضع رضا الجمهور فقط (ظرفي ومناسباتي)؛
• لا يتواصل مع الجمهور باستمرار؛
• عديم الثقة وانطوائي ونفعي.
2- مدرب
• يكلف الفريق جزءا هاما من ميزانية النادي؛
• عديم الدينامية والتواصل؛
• مستهتر بطموحات الجماهير؛
• خزانته هزيلة أو فارغة؛
• يضع خططا غير مفهومة أو لا يفهم مستوى اللاعبين.
3- لاعبون
• متقدمون في السن؛
• محرومون من المنح والتحفيزات والمستحقات؛
• غير منضبطين داخل الملعب ومزاجيين؛
• كثيري الغياب عن التداريب والمباريات؛
4- جمهــور
• ينظر إلى كيفية التلاعب بالكرة لا اللعب بها (احترام الخطة واستشراف الهدف بكل جدية)؛
• يحمل المسؤولية للاعب ويتناسى المدرب والمكتب المسير؛
• يرى الكرة ضائعة وسط الميدان او على الجنبات ولا تصل إلى الهدف؛
• حائر وتائه بين حبه لفريقه وامتعاضه من مآل مستواه؛
• يريد فقط وصول الكرة على الهدف دون مطالبة بإصلاح؛
• حاضر غائب في المدرجات تستهويه مشاهد وأهواء أخرى؛
• مدمن على السب والشتم والتخريب غير مكترث بأخلاقيات التشجيع
من خلال هذا الرصد المختزل للمشهد الكروي بالنادي، يتضح جليا أن جل أطراف اللعبة يتحملون مسؤولية تاريخية في السمو بالفريق بين كبار اللعبة، وإما أن يقبروه في الحضيض. وبما أن الطرف الفاعل هنا والمؤثر في باقي الأطراف ويجرها نحو المجد أو نحو الهاوية هو الطرف المسير للفريق، فإنني أتساءل هنا عن أي تسيير لقيادة أي احتراف في اللعبة ؟؟؟؟؟؟؟
الرجاء الرياضي وبالعودة إلى سنوات خلت، وفي الوقت الذي انطلق منفردا سنة 1989 بعد وضع أول علامة استشهارية على قمصان اللاعبين، يكون أول فريق سمح لنفسه من الاستفادة من مشروع الاحتضان قبل ان يتم تبنيه رسميا بالدوري المغربي كداعم أساسي لميزانية الفريق. إلا انه ورغم تعاقب مجموعة من المستشهرين المحتضنين للفريق عبر مرور السنوات، لا زال مسيرو الفريق ينطقون عبارة"أزمة مالية"، إذ لم يستفد استراتيجيا من هذه الأموال التي كانت لتجعل الفريق سابقة تاريخية نحو الاحتراف ونموذجا يحتذى، إلا أن جزءا كبيرا من هذه المسؤولية تحملها التسيير الهاوي الذي ضيع بذلك فرصا وفترات عدة بإهداره لأموال الاحتضان واعتماد الارتجالية في ترقيع سياسة تسيير الفريق إلى حين كتابة هذه الأسطر... الآن وقد حصد الرجاء مجموعة من الألقاب سواء منها الوطنية أو القارية، وبعد اندماج فريق آخر بكل مكوناته ومستشهريه، أضحى قبلة لمجموعة كبيرة من المستشهرين الذين يطلبون ود الفريق بالتعاقد معه على امل جني ثماره من خلال توهج الفريق واكتساحه للساحة الكروية لضمان استمرارية عجلة الدعاية الإشهارية لها ولمنتوجاتها وخدماتها، إضافة إلى مبيعات الأقمصة واستغلال اسم الفريق وشعاره بترويجه بالمنتوجات الأولية بالسوق الاقتصادي الوطني.
إلا أن مسيري الفريق تعاملوا سلبا مع هذه العائدات، إضافة إلى موارد الألقاب، وموارد البث التلفزيوني ومبالغ بيع اللاعبين أو إعارتهم، والتي كان من اللائق استثمارها في تأسيس حجر الأساس لهياكل الاحتراف وإعداد جيل جديد وكفاءات يتم تكوينها قبليا – عبر دورات تكوينية في التسيير وطنيا وبالخارج- لإعدادها لتقود مستقبلا قاطرة الفريق تكون بذلك قد وفرت على نفسها محنة البحث عن أطر لها من الكفاءة والجرأة والاحترافية مما لا يدعو للشك موقعا في قدراتها ...... وبما أن التسيير عقلية وكفاءة وإدارة خارج أسوار الصمت والانطوائية، فإن مواصفات ضرورية أضحت من اللازم توفرها خلال تحمل مسؤولية تسيير الشأن الكروي وأهمها
1- توفر معيار الكفاءة والديمقراطية في المرشح؛
2- تقديم المرشح لمشروعه الرياضي للنادي خلال تقدمه إلى منصب الرئاسة؛
3- شرح الاستراتيجية العامة على المدى المتوسط والطويل للإقلاع بالنادي
ومن أجل أن تتوفر هذه الكفاءة المؤهلة للتسيير باحترافية، يتعين ان تكون مبنية على الأسس التالية
- ثقافة النادي؛
- ثقافة المقاولة؛
- الإلمام بعلم الدراسات المستقبلية بهدف التخطيط القبلي والتهيئ لاستراتيجية النادي مستقبلا بموازاة أي مستجدات قد تعثر مسيرة الفريق؛
- القدرة على شراء وانتقاء خدمات أحسن اللاعبين؛
- تحصيل منتوج فرجوي أفضل وتسويقه؛
- استيعاب فكر المحتضنين والمستشهرين عبر عقود التبادل النفعي؛
- تحقيق أحسن النتائج واحترام الأهداف؛
- التواصل عبر منبر "الناطق الرسمي للفريق" لدفع كل لبس أو استفسار لدى الجمهور؛
- توفير أداة إعلامية سمعية أو بصرية أو مكتوبة للتجاوب مع محيط الفريق من إعلاميين وصحافة، ومنخرطين ومحبين أو متتبعين كذلك
هذه المواصفات التي تستجيب للضرورة، لن يسمح بالقفز عليها لتولي منصب رئاسة الفريق، مما سيساعد على تخليق المناخ الرياضي والإداري والاقتصادي للفريق، هذا التخليق الذي لن يتاتى بدوره إلا بتوفر ثلاث معطيات أساسية
أولا : عبر تغيير العقلية للمسير بانصهارها اللامشروط في مشروع الاحتراف، وذلك إما باستعدادها الكامل لنفض غبار الهواية، أو توديع النادي دون ضمان أجواء الرحيل التي في حالة التعنت الشديد في البقاء سيكون مرغما رغم أنفه للسفر نحو مزبلة التاريخ لأنه سيكون متجاوزا في المشهد الاحترافي
ثانيا : تحسيسه بمسؤولياته الأخلاقية والقانونية والرياضية تجاه جل مكونات محيط النادي وقيمه التاريخية ؛
ثالثا : صياغة "قانون" يحمي المنخرطين ومحيط الفريق
وإذ نذكر بهذه الشروط الملزمة، فإننا لا ننكر تماما أننا "بين الفينة والأخرى" كنا نعيش لحظات سعيدة يمكن اعتبارها إنجازات مشجعة من خلال تحصيل نتائج جيدة وألقاب مشرفة وثلة من المستشهرين، إلا أننا لا نخفي أيضا أننا في حقيقة الأمر عشنا أزمات عديدة أدت بنا كمحبين لهذا اللون، إلى الإحباط والتفكير بشكل جدي للإسهام في إخراج النادي من الحرج الذي يعيشه ونعيشه سويا. فأمام كل نكسة كانت هناك محاولات عدة للسيطرة على الوضع وعلى كل مؤشرات الهيجان، ونمني النفس بظهور بوادر انفراج قد يحمل النادي إلى بر الأمان، إلا أننا نصطدم في كل مرة بواقع مرير عبر القرارات الارتجالية والأحادية في غياب تام للتواصل وانحراف الضمائر وضمور مسؤولية المسيريين، مما يصعق آذاننا ويعيدنا إلى سنوات خلت من جاهلية التسيير التي تعتمد وإلى غاية كتابة هاته الأسطر على محاولات يائسة وبائسة من خلال الظهور بين الفينة والأخرى على منابر إعلامية استهلاكية قصد تأكيد البقاء من خلال إيهام الجماهير بمؤامرات وتربصات محاكة هنا وهناك، وإشاعة انعدام الخلف، مما يثير اشمئزاز الجماهير وتقززها من كل ظهور يركب موجات الترقب والانتظار
فأين هي الحكامة الجيدة التي يتشدق بها مسييرو الفريق؟ وإن كان كذلك فعلى أول من لايفقه معناها أن يدرك ما يلي
1- ترك تسيير الكرة لأهل الاختصاص؛
2- الرجل المناسب في المكان المناسب.
ومن هنا يحيلني ذاك الرجل وكذا الرجال الذين يدعمون روعته وفنيته في المراوغة التي افتقدنا أسلوبها ونحن أهلها، من خلال الهرولة نحو الخلف معتقدا أنه يمضي إلى الأمام، وذلك بإتقان ترقيع الأزمات، فمرة يتم تغيير اللاعبين؟؟؟؟؟؟ ومرة يتم تغيير المدربين ؟؟؟؟؟ وكفى المومنين شر القتال
دعوني أقول لكم بكل اللغات التي تعرفون والتي لا تعرفون، أننا منذ سنين ونحن نعيد نفس المشهد في صفقات متفاوتة بين الأجر الخيالي للمدرب الأجنبي والأجر المتواضع للوطني وأحيانا شبه مجاني لو أنت ابن الفريق ورضعت حليبها الأخضر!!! وفي الوقت الذي يشرح فيه المسير أن هناك أزمة مالية شديدة، فإنه بالمقابل تمنح للإطار الأجنبي امتيازات "المهدي المنتظر" من تذاكر الطائرة وإقامة وسيارة وووو...مقابل ذلك تنهب في صمت أموال الفريق دون أي طائل يذكر
فنحن ياسادة !!! لا نحتاج فقط لتغيير اللاعبين والمدربين باستمرار ولا لهدر الأموال التي لا تحصى في التفاهات، بقدر ما نحتاج إلى تغيير عقلية تسيير النادي !!! الحكامة الجيدة إذن ليس هدفها سياسة شد الحبل لشراء الود، بقدر ما هي محيط يحترم نفسه عبر آليات وقوانين وكفاءات وتقييم و"محاسبة". وهنا تحيلني هذه النقطة على ذكاء هؤلاء المسيرين في الحرص على "أنا ذكي إذن أنا موجود"، إذ تعودنا -مع كل اشتداد لصخب الجماهير ومطالبتها للتغيير الجذري والانخراط في الاحتراف، سماع خبر استقالة رئيس الفريق أيا كان (لا أقصد ر ئيسا بعينه بقدر ما أقصد معظم المتعاقبين على منصب الرئاسة)، حيث تكثر التصريحات والتفسيرات وكذا التأويلات والتدخلات هنا وهناك من مختلف الجهات، إلا أن المثير أن الاستقالة بقدر ما يصاحبها ضجيج ولغط كثير، بقدر ما تكون عودة المستقيل في صمت مريب!!!! وإذا أردنا ان ندرك هنا مغزى الاستقالة، فهي "سلوك مفهوم تختلف أسبابه ومسبباته بين الذاتي والموضوعي، علما ان القاسم المشترك بين مختلف قرارات الاستقالة هو تحولها إلى وسيلة للضغط ليس إلا..."!!!!
والمثال الذي يمكن ان نسوقه هنا واضح بنادي الرجاء، فرئيس الفريق هدد بالاستقالة وهو على يقين أن المتربع على رأس ما يسمى المكتب المديري للرجاء منذ عشرات السنين دون جمع عام، لم يعثر بعد على البديل الجاهز والضامن لاحتواء المشهد الانتخابي واختزاله في "مسرحية الديمقراطية المرئية"، خاصة وأن رئيس فرع كرة القدم هو صاحب اللقب العاشر (النجمة الصفراء)
المنصت للطلعات الإعلامية لمسير الفريق يدرك تماما أنه في سباق مرير مع زمن الاحتراف الذي يصر على أنه سباق له في مختلف محيط النادي، مقابل ذلك يتشبث بالقرار المنفرد والرأي الوحيد إرضاء لنرجسية مفرطة أو "أنا" متعنتة، محاولا في كل طلعة احتواء الضمائر التي قد تطيح ببرج التسيير الهاوي الذي يخلع عنه ثوب المحاسبة في معظم الجموع العامة التي تمر مر السحاب. في حين أن ما يتطلب العمل به هو " تأهيل هياكل تدبير وترسيخ ثقافة احترافية على جميع المستويات، في قطيعة تامة مع سياسة الارتجال و"الفرجوية" واعتماد استراتيجية إرادية طموحة تحدد الأولويات في إطار تشاركي يفسح المجال للرأي والرأي الآخر في احترام للمبادئ الديمقراطية والحكامة"
ختاما، شعب الخضراء قال كلمته منذ فترة، وهو الآن يحاول الإنصات لصداها في عقول وأدمغة هؤلاء المسيرين وحتى الذين ينوون ولوج التسيير مستقبلا عليهم ان يدركوا تماما مغزى اللغة التي يتغناها الجمهور، وأن يعلموا أنه سيظل المعادلة الصعبة في النادي نحو البقاء أو الفناء
إن القذى يؤذي العيون قليله ////// ولربما جرح البعوض الفيلا
***
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ///// فلا تظنن ان الليث مبتسم
بقلم : ولدمـو





